ابراهيم بن عمر البقاعي

329

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ووهبناك لسان صدق في الآخرين ، وجعلنا آلك هم المصطفين ، وملأنا منهم الخافقين ، علله بأن ذلك سنته دائما قديما وحديثا فقال ما يأتي . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم في همة الذبح وعزمه ، فكانت تلك الهمة التي تقصر عنها رتبة السها والسماك ، والعزمة التي تتضاءل دون عليّ مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك ، لا تسكن عن ثورانها ، ولا تبرد من غليانها وفورانها ، إلا بأمر شديد ، وقول جازم أكيد ، قال مؤكدا تنبيها على أن همته قد وصلت إلى ما هذا حده ، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي : إِنَّا كَذلِكَ أي مثل هذا الجزاء العظيم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * . ولما كان جزاءه عظيما جدا ، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجبا ومعظما مؤكدا تنبيها على أنه خارق للعادة : إِنَّ هذا أي الأمر والطاعة فيه لَهُوَ الْبَلاءُ أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائنا ما كان الْمُبِينُ * أي الظاهر في بابه جدّا المظهر لرائيه أنه بلاء . ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه ، ومن البشارة بالجزاء ، ذكر فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين ، ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده ، وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهما السّلام ، وهو يعالج إتلافه ، جعل تعالى نفسه المقدس فاديا لأن الفادي من أعطى الفداء ، وهو ما يدفع لفكاك الأسير ، وجعل إبراهيم عليه السّلام مفتدى منه تشريفا له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها ، واللّه تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال : وَفَدَيْناهُ أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفا له بِذِبْحٍ أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعا للذبح ، وهو كبش من الجنة ، قيل : إنه الذي قربه هابيل فتقبله اللّه منه عَظِيمٍ * أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول دينا إلى آخر الدهر . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 108 إلى 113 ] وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) ولما كان سبحانه إذا منّ بشيء علم أنه عظيم ، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد فخامته وعظمته ، قال : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ أي على الذبيح شيئا هو في الحسن بحيث يطول وصفه . ولما كان بحيث لا ينسى قال : فِي الْآخِرِينَ * ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد ، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق .